الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
284
تفسير روح البيان
القاتلون عمدا كتب عليكم تسليم أنفسكم عند مطالبة الولي بالقصاص وذلك لان القاتل ليس له ان يمتنع عن القصاص لكونه حق العبد بخلاف الزاني والشارب فان لهما الهرب من الحدود لكون ما عليهما من الحق حق اللّه تعالى والقصاص ان يفعل بالإنسان مثل ما فعل فهو عبارة عن التسوية والمماثلة في الأنفس والأطراف والجراحات . والقتلى جمع قتيل وفي للسبب اى بسبب قتل القتلى كما في قوله عليه السلام ( ان امرأة دخلت النار في هرة ربطتها ) اى بسبب ربطها إياها وحسن الوقف في قوله القتلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ مبتدأ وخبر اى الحر مأخوذ ومقتول بمثله وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى سبب النزول انه كان بين حيين من احياء العرب دماء في الجاهلية وكان لأحدهما طول على الآخر اى قوة وفضل فاقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى والاثنين بالواحد فتحاكموا إلى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم حين جاء اللّه بالإسلام فنزلت وأمرهم اللّه ان يتباروا اى يتساووا ويتعادلوا . وقوله الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بان لا يجرى القصاص الا بين الحرين وبين العبدين وبين الأنثيين بل يفيد شرع القصاص في القتلى بين المذكورين من غير أن يكون فيه دلالة على سائر الاقسام فان قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى جملة مستقبلة بنفسها . وقوله الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وتخصيص بعض جزئيات الجملة المستقلة بالذكر لا يمنع ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن ان يكون لفائدة سوى نفى الحكم عن سائر الصور وهي ابطال ما كان عليه أهل الجاهلية من أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل بالعبد المقتول والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة وليس فيه نفى جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والأنثى بل فيه منع عن التعدي إلى غير القاتل انتهى كلامه * والثوري وأبو حنيفة يقتلان الحر بالعبد والمؤمن بالكافر ويستدلان بعموم قوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فان شريعة من قبلنا إذا قصت علينا في القرآن من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على أنها شريعة لنا * وبما روى ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) وبأن التفاضل في النفس غير معتبر بدليل قتل الجماعة بالواحد وبان القصاص يعتمد المساواة في العصمة وهي بالدين أو بالدار وهما سيان فيهما * ومالك والشافعي لا يقتلان الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر كما قال الشافعي رحمه اللّه خذوا بدمي هذا الغزال فإنه * رماني بسهمي مقلتيه على عمد ولا تقتلوه انني انا عبده * وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد فَمَنْ عبارة عن القاتل شرطية كانت أو موصولة عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ الضميران راجعان إلى من شَيْءٌ اى شئ من العفو قليل فارتفاع شئ على أنه قائم مقام فاعل عفى بناء على أنه في حكم المصدر اى في حكم قولك عفى عفو فان عفا وان كان لازما لا يتعدى إلى المفعول به الا انه يتعدى إلى المفعول المطلق فيصلح ان يقام مصدره مقام الفاعل كما في قوله تعالى فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وقولهم سير بزيد بعض السير وشئ من السير وفائدة قوله شئ الاشعار بأنه إذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بان يعفى عن بعض الدم أو عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب الا الدية وعفا يتعدى إلى الجاني وإلى